uni-tiaret

منتدي خاص بطلبة جامعة ابن خلدون تيارت
 
البوابةالرئيسيةمكتبة الصورس .و .جقائمة الاعضاءالمجموعاتبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مصطلح النحو العربي بين الأصل المادي والتطور الدلالي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
jaber elfata
عضو متميز
عضو متميز


عدد الرسائل : 82
تاريخ التسجيل : 09/05/2008

مُساهمةموضوع: مصطلح النحو العربي بين الأصل المادي والتطور الدلالي   2008-05-10, 18:47

مصطلح النحو العربي بين الأصل المادي والتطور الدلالي ـــ د.محمّد كشّاش (1)




حياة العِلْم البيان[1]مقولة تردّدها الشفاه، وتعيها القلوب، وتتذكرها الأذهان ساعة المعاناة وهي تغوص في لجج العلم، تبحث عن أمر فيستعصي عليها، ويحجب عنها بستائر الغموض والإبهام، ثم لا يلبث العلْمُ المقصود أن يتلاشى ويغيب في أحشاء الكتب وبطون الخزائن كأنه فقد الحياة، لأنه فقد البيان .

والمقولة السابقة، تحمل معها تساؤلاً عن حقيقة البيان، الذي يسبب حياة العِلم، وسرعان ما تكون الإجابة توضيحاً للموضِّح وبياناً للمبيِّن، فالبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقة، ويهجم علىمحصوله كائناً ما كان..."[2].

والأمر يتطلب إعادة النظر كرّة أخرى للصول إلى ماهية ما يكشف قناع المعنى . إنها توجد في أصناف الدلالات على المعاني التي تدور ما بين لفظ وغير لفظ [3].

وتقتضي الدراسة البحث في حقيقة اللفظ الذي يدّل على معنى العلم الموضوع له، والمختص به والّدال عليه، وننتيجة لهاتين الخصيصتين، انحرف اللفظ عن معناه المادي الأساسي، إلى وجهة دلالية أخرى . والوجهة الجديدة من عمل أرباب العلم وطوائف اللغويين، الذين اتفقوا على استعمال خاص للفظ ،ولهذا سمي " مصطلحاً " والاصطلاح كما هو في العُرْف اللغوي " اتفاق طائفة على شيء مخصوص، ولكلّ علم اصطلاحاته " [4].

والمصطلح - كما هو مبيّن - اكتساب اللفظ المتفق عليه غير معناه الموضوع له في أصل الوضع اللغوي، وبهذا الكَسْب تخصّص اللفظ بعد شيوعه . وحسبي الأمثلة تؤكد ذلك لعلّ من أبلغها مصطلح " النحو “ لما فيه من مراعاة المقال المقام، جاء في حدّ النحو ما يلي : " وهو في الأصل مصدر شائع ،أي نحوت نحواً، كقولك قصدت قصداً، ثم خصّ به انتحاء هذا القبيل من العِلْم ،كما أن الفقه في الأصل مصدر فَقِهت الشيء أي عرفته ،ثم خصّ به علم الشريعة من التحليل والتحريم "[5]

إن المصطلح اتجاه جديد في دلالة اللفظ ،وتحول يُبرزُهُ التشابه بين القديم والجديد . أو بكلمة بين المعنى اللغوي الأساسي والمعنى الاصطلاحي . والذي سوّغ هذا الحمل الجديد علاقة ومناسبة [6]بينهما ،فاختير اللفظ ليقوم بحمل معنى معينٍ، وهو أمر ينتبه عليه المصطلحون عند الاختيار ،وتُهيِّئه ظروف عدّة . وقد أوضح أحد الدارسين ذلك، قال : " تطلق كلمة مصطلح في اوساط الناس اليوم ليراد بها المعنى الذي تعارفوا عليه، واتفقوا عليه في استعمالهم اللغوي الخاص أو في أعرافهم الاجتماعية ،وعاداتهم السائرة، وتساعد الظروف الاقتصادية و السياسية والاجتماعية والدينية على أن تحمل كلمة ما غير الذي وضعت له في أصل اللغة التي تنتمي إليها " [7] .

برز مفهوم " مصطلح " في اللغة العربية، نتنيجة لتطور الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية ،التي وجهت بعض ألفاظ العربية وجهات معينة ،وهذا الإجراء دليل حياة العربية، ونوع من الديناميكية التي تحاول الألفاظ مواكبة مسار الحياة بتياراتها المختلفة، وهي ظاهرة تشهد لها الحضارة العربية في جوانبها جميعاً .

وقد لحظ أحد علماء العربية هذه الظاهرة، بقوله : " كانت العرب في جاهليتها على إرثٍ من إرْث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ... فلما جاء اللَّه - جل ثناؤه - بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات وأُبْطِلتْ أمورٌ، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخرى بزياداتِ زيدت، وشرائع شُرعت، وشرائط شُرطت " [8]..

ومجيء الإسلام لم يكن حدثاً محصوراُ في نقل ألفاظ اللغة من مواضع إلى أخرى، بل عَمِل على بروز كثير من العلوم، مابين عقلية ودينية [9]. و هذا أمر يصدقه الواقع، لأن " أهم المبادئ المؤثرة في الحضارة المبادئ الدينية " [10].

ومن العلوم التي دارت في فلك العلوم النقلية ( الدينية )، والتي تتقدم النظر في القرآن والسّنة علم النحو، وسبب ذلك أن استنباط الأحكام الشرعية متوقف عليه ،والاجتهاد يعود إليه . وقد أدرك الفقهاء أهمية النحو واللغة، فجعلوهما شرطاً يجب توافره في الفقيه، ذكر ابن حزم في كتابه الإحكام ..: " أنه لابدّ للفقيه أن يكون نحوياً لغويّاً وإلا فهو ناقص، ولا يحلّ له أن يفتي لجهله بمعاني الأسماء وبعده عن فهم الأخبار " [11] .

عمل علماء العربية بدافع ديني - كما بيّنا- إلىجانب دوافع أخرى على وضع قوانين وقواعد للعربية تصون الألسِنَة وتحافظ على ملكة اللسان التي أخذ يعتريها الزيغ والزيف . فضلاً عن أهميتها في معرفة أحكام كتاب اللَّه . وكان ميدان عملهم ومادتهم كلام العرب الفصيح . وقد صوّر ابن خلدون عمل علماء العربية، بقوله : " ...وخشي أهل العلوم منهم أن تَفْسُدَ تلك الملكة رأساً، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطّردة ،شبه الكُليّاتِ والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالنظائر .[12]

بدأت طلائع النحو العربي بدءاً وظيفياً [13]يتعرف به العربي أحكامه عن طريق نظم الكلام وضبطه ضبطاً صحيحاً، من دون أن يقدم نظرية بمصطلحات . يشهد لذلك مارواه ياقوت عن عاصم، قال : " جاء أبوالأسود الدؤلي إلى زياد ابن أبيه .. وقال : إني أرى العرب قد خالطت الأعاجم وفَسَدَتْ ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم " [14] .

ثم أخذ النحو يتطور، ليصبح علماً له أصوله وأحكامه . ومعلوم أن لكل علم مصطلحات هي بمثابة أوعية له . فمن أين استمد العربي وهو ابن الصحراء هذه المصطلحات ؟؟

لم يكن الموقف سهلاً أمام علماء العربية ،إذ قنوات الترجمة عن الأمم الأخرى لم تشقّ بعد، بالإضافة إلى ان العلوم الأخرى لم تُرْسَ قواعدها ،حتى يستعار منها، وتنقل مصطلحاتها إلى النحو . ولكن الأمر يُحلّ بالعودة إلى موجودات البيئة العربية ومسمياتها، ففيها المدد وعليها المعتمد . وهذا الإجراء تقتضيه حياة العربي . فقد عرف عن العربي الاستعانة بمظاهر الطبيعة، يستمد منها مسميات لأمور معنوية تعترضه . من أدلة ذلك ما كان يفعله عند تسمية مايُولد له . قال الثعالبي : " ..وكان بعضهم إذا وُلد لأحدهم ولدٌ سمّاهُ بمايراه ويسمعه مما يتفاءل به . فإن رأى حجراً تأوّل فيه الشدّة والصلابة والصبر والبقاء، وإن رأى كلباً تأوّل فيه الحراسة والأُلفَة وبُعْدَ الصوت، وإن رأى نِمْراً تأوّل فيه المَنْعَة والتِيهَ والشكاسة، وإن رأى ذِئباً تأوّل فيه المهابة والقُدرَة والحشْمَة ..."[15].

من هذا الحقل اللغوي المادي، اقتلع علماء العربية مصطلحات نحوهم . فإذا بهم يستمدون من رفع الخيمة اسم الرفع ومن انتصاب أسبابها اسم النصب ،ومن البيان اسم الإعراب .... والذي يرجح ذلك ماوصف به ابن خلدون عمل علماء العربية، وهم يقعدون قواعدهم، قال : " ... ثم رأوا تغيُّر الدّلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعراباً، وتسمية الموجب لذلك التغيُّر عاملاً وأمثال ذلك . وصارت كلهااصطلاحات خاصة بهم، فقيّدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو " [16] ..

إنها حقيقة واضحة، يسندها التفكير السليم والنظر القويم .والذي يجلو خوافي هذا الطرح أن أسماء موجودات الصحراء كانت من بواكير ما عرفه العربي . ودليل ذلك تفسير ابن عباس لقوله تعالى : [ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ]، قال : " علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وجَمَل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها " [17].

هكذا كانت بيئة العربي ومسمياتها المادية منطلقات تأسيس مصطلحات النحو . فقد نقلوها من معانيها المادية المحسوسة إلى رحاب علوم العربية، لتدل على جزئياتها، وأحكام قواعدها .. ومن ثّمة سار المعنى الجديد في بيئته الجديدة بين الناس حتى أصبح في استعمالهم اليومي شيئاً مألوفاً نُسِيَ معه ذلك المعنى اللغوي الأساسي أو كاد[18] .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مصطلح النحو العربي بين الأصل المادي والتطور الدلالي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
uni-tiaret :: منتدي الأدب العربي-
انتقل الى: